إسماعيل بن القاسم القالي
735
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
قالت : قد أشفق على هديته أن تحترق ، ألم ترو بيت جرير حيث يقول : [ الوافر ] ولو وضعت فقاح بني نمير * على خبث الحديد إذا لذابا فقال الخليل لأبي المعلى : [ الوافر ] نصحتك يا محمد إنّ نصحي * رخيص يا رفيقي للصّديق فلم تقبل وكم من نصح ودّ * أضيع فحاد عن وضح الطريق قال : ثم انصرفت المرأة وبقي الخليل وأبو المعلى متعجّبين منها ومن ذرابة لسانها وسرعة جوابها . [ 53 م ] [ خروج هشام بن عبد مناف إلى البلاد لأخذ العهود من ملوكها لتأمين تجارتهم ] : قال أبو علي : وحدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : أخبرنا أبو حاتم ، قال : حدثنا العتبي ومحمد بن سلّام كلاهما قالا : كانت قريش تجارا ، وكانت تجارتهم لا تعدو مكّة ، إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسّلع فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب ، فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر ، فكان يذبح كلّ يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون ، وكان هاشم من أجمل الناس وأتمّهم ، فذكر ذلك لقيصر فقيل له : هاهنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصبّ عليه المرق ويفرغ عليه اللحم . وإنما كانت العجم تصبّ المرق في الصّحاف ثم تأتدم بالخبز ، فدعا به قيصر ، فلما رآه وكلّمه أعجب به ، فكان يبعث إليه في كلّ يوم فيدخل عليه ويحادثه ، فلما رأى نفسه تمكّن عنده قال له : أيها الملك ، إن قومي تجار العرب ، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمّن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو أرخص عليكم ! فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم ، فأقبل هاشم بذلك الكتاب ، فجعل كلّما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافا . والإيلاف : أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق . وعلى أن قريشا تحمل إليهم بضائع فيكفونهم حملانها ويؤدّون إليهم رؤوس أموالهم وربحهم ، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة ، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوّزهم يوفّيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلّهم قراها ، ومات في ذلك السفر بغزّة ، وخرج المطّلب بن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر إليهم من قريش ، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم ، وكان المطّلب أكبر ولد عبد مناف ، وكان يسمّى الفيض وهلك بردمان من اليمن . وخرج عبد شمس ابن عبد مناف إلى الحبشة ، فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب ، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون . وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش وإيلافا ممن مرّ به من العرب ، ثم قدم مكّة ورجع إلى العراق فمات